كشف مسح منشورات مكتب النائب العام خلال النصف الأول من 2026 عن 113 مسار قضية فريداً بصورة تقديرية. ظهرت أرقام مالية قابلة للقياس في 53 قضية فقط، أي 46.9%، بينما خلت 60 قضية من مبلغ قابل للاستخدام.
وسجلت الجداول 84 حدثاً مالياً، انخفضت إلى 77 حدثاً فريداً بعد حذف تكرار القضايا التي ظهرت تحت أكثر من ملف: أربعة استردادات فعلية، وثمانية ردود قضائية، و17 غرامة، و48 مبلغاً توزعت بين الاستيلاء والإهدار والقروض والعقود والرشاوى والمنافع.
عزيزي القارئ، تعال معي إلى تفاصيل #خريطة_الأموال، لكن انتبه إلى الفروق: الغرامة ليست خسارة منشورة، والحكم بالرد لا يثبت أن المال دخل الخزانة، والتعرض الائتماني ليس خسارة بالضرورة، وقيمة العقد لا تعني أن كاملها دُفع. لذلك لا يجوز جمع العملات أو الفئات القانونية الآتية في رقم واحد.
| الوضع المالي | الأحداث الفريدة | الدينار الليبي | الدولار | اليورو | ما الذي يثبته المنشور؟ |
|---|---|---|---|---|---|
| استرداد فعلي معلن | 4 | 333,014,600 | 5,700 | — | وُصف بأنه عاد فعلياً |
| أحكام بالرد | 8 | 105,499,679 | 579,000 | 286,575 | صدر الحكم ولم يُنشر تنفيذ كامل |
| غرامات | 17 | 35,461,000 | 1,825,986,090 | 573,150 | عقوبة وليست قياساً للخسارة |
| مبالغ مالية أخرى | 48 | فئات متعددة | فئات متعددة | فئات متعددة | تعرض وعقود وضرر مزعوم ورشاوى ومنافع |
تكبير الرسم ↗أكثر من 333 مليون دينار عادت فعلياً
بلغ المال الذي وصفت المنشورات بأنه استُرد فعلياً 333,014,600 دينار، إضافة إلى 5,700 دولار. جاءت 300 مليون دينار من قضية ائتمان مصرف الصحاري، ومثلت 90.1% من إجمالي الدينار المسترد. وجاء 33 مليوناً من ائتمانات المصرف الزراعي، بينما استُرد 14,600 دينار و5,700 دولار في إحدى قضايا بيانات الهوية.
وبسعر بيع مصرف ليبيا المركزي المنشور في 20 أغسطس 2026، البالغ 6.3492 دنانير للدولار، تعادل قيمة الدينار المسترد نحو 52.45 مليون دولار. هذا تحويل للمقارنة الحجمية فقط، بينما يبقى السجل القانوني بعملاته الأصلية.
وتضع توقعات مشاورات صندوق النقد الدولي لعام 2025 ↗ الناتج الاسمي لليبيا في 2026 عند نحو 254.2 مليار دينار. وبهذا المقياس، تساوي الأموال المستردة نحو 0.13% من الناتج السنوي. ولا تقيس هذه النسبة كفاءة الاسترداد لأن إجمالي المال الواجب استرداده قانوناً في القضايا لم يُنشر.
نحو 105.5 ملايين دينار حُكم بردها
بلغت أحكام الرد المنشورة 105,499,679 ديناراً، إضافة إلى 579 ألف دولار و286,575 يورو. استحوذت القضايا المصرفية على 88,019,679 ديناراً، أي 83.4% من ردود الدينار. وظهر 13.75 مليوناً في قضية الاتصالات، و3.73 ملايين في قضايا العقارات وأملاك الدولة.
هذه أحكام بالرد وليست إيصالات تحصيل. لم تنشر البيانات سجلاً موحداً يوضح ما دُفع، ومتى دخل الخزانة، وما الرصيد المتبقي. كما استُبعد رقم مصرفي إضافي بسبب اضطراب صياغته وعدم إمكان تصنيفه بأمان.
غرامة تقارب 1.83 مليار دولار.. وليست قيمة الخسارة
بلغت الغرامات بعد إزالة التكرار 1,825,986,090 دولاراً، و35,461,000 دينار، و573,150 يورو. وصدرت الغرامة الدولارية الاستثنائية في قضية مسؤول التسويق الدولي السابق على خلفية عدم تحصيل أثمان نفط ومشتقات بين 2010 و2017.
لكن منشور مكتب النائب العام لم يذكر أصل الأموال غير المحصلة. لذلك لا يجوز اعتبار الغرامة نفسها قيمة الخسارة، كما لم يوضح المنشور كم دُفع منها فعلياً.
للمقارنة الحجمية فقط، تعادل 1.826 مليار دولار نحو 29.3 مليون برميل بسعر النفط الليبي الذي توقعه صندوق النقد لعام 2026 عند 62.4 دولاراً للبرميل؛ أي قرابة 24 يوماً من الصادرات عند توقع 1.2 مليون برميل يومياً. كما تعادل نحو 3.8% من الناتج الاسمي المتوقع عند 47.7 مليار دولار، و6.3% من صادرات المحروقات المتوقعة عند 29.1 ملياراً.
ويتجاوز الرقم الاسمي تسوية شركة Glencore مع وزارة العدل الأميركية في 2022، البالغة أكثر من 1.1 مليار دولار ↗، ويعادل نحو 63% من تسوية Goldman Sachs في 2020، البالغة أكثر من 2.9 مليار دولار ↗. تختلف الدول والجرائم وهياكل التسوية؛ والمقارنة للحجم لا للتكافؤ القانوني.
أكثر من 62.3 مليون دينار محل ضرر أو مساءلة
بلغت الأموال التي وصفتها المنشورات بالاستيلاء أو الإهدار أو الصرف المخالف أو الضريبة غير المحصلة أو النفع غير المشروع وسوء الإدارة 62,306,450 ديناراً.
داخل هذا الرقم 35,878,055 ديناراً في الإهدار والصرف المخالف والضريبة غير المحصلة، و13.75 مليوناً استيلاءً ثبت في حكم الاتصالات، و8,912,395 ديناراً في ست قضايا استيلاء مصرفي، و1.055 مليون في قضية مستشفى البريقة، و2.711 مليون في النفع غير المشروع ومخصصات أسيئت إدارتها.
ليس هذا رقماً نهائياً للخسائر؛ فالقضايا تقف في مراحل مختلفة، وبعض المبالغ ما زال اتهاماً أو نتيجة تحقيق. كما بقيت خسارة مصرفية مقيدة بقيمة 16 مليون يورو بعملتها الأصلية، واستُبعدت مستندات تحصيل بقيمة 2.8 مليون دولار من الخسائر المؤكدة لأن مصيرها النهائي لم يُنشر.
تكبير الرسم ↗857 مليون دينار تحت التعرض.. وليست أموالاً ضائعة
رصدت المنشورات 857 مليون دينار في قرض وائتمان مُنحا دون ضمانات كافية: 57 مليوناً لمشروع مستشفى، و800 مليون في مصرف الصحاري.
يمثل مبلغ 300 مليون المسترد من القضية الثانية 37.5% من قيمة الائتمان. لكن لا يجوز وصف الفرق البالغ 500 مليون بأنه خسارة؛ فالمنشور تحدث عن منع التصرف في بقية الأموال المتتبعة دون تحديد ما حُصل منها في النهاية.
وظهرت قروض وتمويلات بقيمة 23 مليون يورو قد تتقاطع مع الخسارة المسجلة البالغة 16 مليوناً. كما سُجل عقد مضخات سكري بقيمة 11 مليون يورو، وعقد أجهزة طبية بقيمة 3.099 ملايين دينار. قيمة العقد لا تثبت أن كامل المبلغ دُفع أو ضاع.
أكثر من 219 ألف دينار لفتح بوابة الهوية
بلغت الرشاوى والمقابلات غير المشروعة الصريحة في ثماني قضايا للرقم الوطني 209,150 ديناراً. وإذا أضفنا 10,600 دينار دُفعت لشراء رقم وطني وبيانات هوية، يصل نطاق المدفوعات غير المشروعة إلى 219,750 ديناراً.
ثم استُخدمت وثائق المواطنة المزورة للحصول على 147,600 دينار من المنح والرواتب، و150 ألف دولار من مخصصات النقد الأجنبي للأسر. واقتصر المعلن استرداده من هذه المنافع على 14,600 دينار و5,700 دولار.
عزيزي القارئ، لهذا يقع ملف الهوية داخل خريطة الأموال. فالقيد المدني المزور لم يكن مجرد ورقة إدارية؛ بل بوابة محتملة إلى الراتب والمنحة والدولار والجواز والوظيفة العامة.
أكثر من نصف القضايا بلا قيمة مالية
بقيت 60 قضية من أصل 113 بلا رقم مالي قابل للحساب. لم نعرف ثمن مركبتي إسعاف بيعتا، ولا قيمة 14 ألف لتر ديزل، ولا وقود 36 أداة توزيع، ولا قيمة المخدرات والمركبات المصادرة، ولا أصل أثمان النفط غير المحصلة.
وغابت أيضاً قيمة عقد يمنح متعاقداً 75% من عائد سوق عام لست سنوات، وقيمة حصص صيد التونة، والفديات والتعويضات وأضرار الممتلكات في قضايا الخطف والعنف.
غياب الرقم لا يثبت أن هذه القضايا قليلة القيمة؛ بل يكشف أن السجل العام لم يسعّرها.
فجوة الاسترداد الدولية
أفادت مجموعة العمل المالي والإنتربول ↗ في 2022 بأن الدول تعترض وتسترد أقل من 1% من التدفقات المالية غير المشروعة عالمياً. وقالت إرشادات FATF للاسترداد في 2025 ↗ إن أكثر من 80% من الدول الخاضعة للتقييم حققت فعالية منخفضة أو متوسطة في استرداد الأصول.
وفي الاتحاد الأوروبي، تُقدر أرباح الجريمة المنظمة بنحو 139 مليار يورو سنوياً، بينما يُصادر قرابة 2% منها وفق عرض المفوضية الأوروبية لاسترداد الأصول ↗.
لا يمكن حساب نسبة مماثلة للقضايا الليبية لأن المقام—إجمالي المتحصلات المحددة قانوناً والقابلة للاسترداد—غير منشور.
وتقدم المملكة المتحدة نموذجاً مفيداً للإفصاح. ففي السنة المالية المنتهية في مارس 2025 نشرت بصورة منفصلة 223.7 مليون جنيه إسترليني من أوامر المصادرة الصادرة، و284.5 مليوناً مستردة فعلياً، و783.8 مليوناً منعت أو جُمدت، و47.2 مليوناً دُفعت تعويضاً للضحايا. وقد يتجاوز التحصيل أوامر السنة نفسها لأنه يشمل أوامر أقدم وآليات أخرى.
تكبير الرسم ↗| المؤشر المرجعي | الفترة | المقياس المنشور | دلالته هنا |
|---|---|---|---|
| FATF والإنتربول | 2022 | استرداد أقل من 1% من التدفقات غير المشروعة عالمياً | يوضح فجوة الإنفاذ الدولية |
| تقييمات فعالية FATF | إرشادات 2025 | أكثر من 80% بفعالية منخفضة أو متوسطة | يقيس النتائج لا النصوص القانونية فقط |
| الاتحاد الأوروبي | عرض المفوضية الحالي | 139 مليار يورو أرباحاً سنوية ونحو 2% مصادراً | يفصل بين عائد الجريمة وما صودر فعلاً |
| المملكة المتحدة | السنة المنتهية في مارس 2025 | فصل الأوامر والتحصيل والتجميد والتعويض | نموذج لسجل عام قابل للتحديث |
ما الذي يجب أن يظهره سجل الاسترداد العام؟
لا تحتاج ليبيا إلى رقم ضخم واحد يخلط العملات والدلالات القانونية. تحتاج إلى سجل على مستوى كل قضية يوضح الضرر المزعوم، والمبلغ المجمد، وما حُكم برده، والغرامة، وما حُصل فعلياً، وتاريخ التحصيل، والأصول المباعة، والتعويض المدفوع للضحايا.
عندها فقط يستطيع الجمهور التمييز بين الحكم الذي صنع عنواناً والمال الذي عاد إلى الخزانة، ويمكن تحديث النتائج من دون إعادة كتابة التاريخ القانوني لكل قضية.
ما الذي لا يزال غير منشور؟
لا يكشف السجل العام حتى الآن كم حُصل فعلياً من الغرامات المنشورة، ولا الرصيد المتبقي من كل حكم بالرد، ولا القيمة الكاملة للأصول المجمدة أو المباعة، ولا التعويض الذي وصل في النهاية إلى الضحايا والجهات العامة.
وإلى أن تُطابق هذه الأرقام قضية بقضية، يبقى مبلغ 333 مليون دينار المعلن استرداده أوضح مقياس للمال الذي عاد فعلياً. أما أرقام الغرامات الأكبر بكثير، فتعبر عن أحكام قضائية لا عن تحصيل مثبت.
محمد القرج