في الأول من سبتمبر، ذكرى إعلان ما عُرف رسمياً بـ«ثورة الفاتح» سنة 1969، ينقسم النقاش الليبي غالباً بين ذاكرتين متعارضتين: دولة راكمت ثروة نفطية كبيرة قبل 2011، ونظام لم ينجح في تحويل هذه الثروة إلى اقتصاد متنوع.

الأرقام لا تبرر الحنين المطلق، ولا تسمح بمحو الفارق. كانت سنة 2010، وهي آخر سنة كاملة قبل الحرب، أقوى اقتصادياً في مؤشرات أساسية: فائض كبير في المالية العامة والحساب الجاري، ودينار مستقر، وناتج أعلى للفرد بالدولار. لكنها كانت أيضاً سنة داخل اقتصاد يعتمد على النفط، ويعاني بطالة مرتفعة بين الشباب، ووساطة مالية ضعيفة وقطاعاً خاصاً محدوداً.

أما 2025، فقد استعادت ليبيا إنتاج النفط بدرجة سمحت بتحقيق نمو أعلى من 2010. لكن هذا التعافي جرى فوق قاعدة مالية ونقدية ومؤسسية أضعف. ولذلك ليست الخلاصة أن كل شيء كان أفضل في عهد القذافي؛ بل إن خمسة عشر عاماً لم تحول النفط إلى مناعة اقتصادية، ودخلت ليبيا طفرة نفطية جديدة بدينار أضعف، وناتج أقل للفرد، واختلالات مالية أكبر.

الاقتصاد الليبي: مقارنة بين سنتين كاملتين
المؤشر20102025القراءة الدقيقة
نمو الناتج الحقيقي+10.3%+13.4%2025 أعلى؛ والتعافيان قادهما النفط
الرصيد المالي العام+12.9% من الناتجنحو −30% من الناتجتحول الفائض الكبير إلى عجز كبير
رصيد الحساب الجاري+19.9% من الناتجنحو −4% من الناتجتحول الفائض الخارجي إلى عجز مقدر
نصيب الفرد من الناتج12,100 دولار6,448.8 دولارأقل اسمياً بالدولار بنحو 46.7%
سعر الدولار الرسمي1.27 دينار5.5677 دينارالسعر المعلن ارتفع 4.4 مرات
الاحتياطيات الرسمية وفق سلسلة الصندوق105.4 مليارات دولار81.1 مليار دولارتغطية الواردات: 36.9 مقابل نحو 31 شهراً
تضخم أسعار المستهلك4.5%1.8%متوسط 2025 الرسمي أقل مع تحفظات القياس
ترتيب مدركات الفساد146/178177/182الموقع سيئ في العامين والمنهجية تغيرت
بطاقة تقارن النمو والرصيد المالي والحساب الجاري ونصيب الفرد وسعر الصرف والاحتياطيات والتضخم وترتيب الفساد في ليبيا بين 2010 و2025تكبير الرسم ↗
المقارنة ليست أحادية: تفوق 2025 في النمو السنوي والتضخم الرسمي، لكنه كان أضعف مالياً وخارجياً ونقدياً وعلى مستوى الناتج للفرد. المصادر: صندوق النقد والبنك الدولي والمصرف المركزي والشفافية الدولية.

النمو: 2025 أفضل رقمياً.. لكنه ليس تحولاً هيكلياً

نما الناتج المحلي الحقيقي 10.3% في 2010. وارتفع القطاع الهيدروكربوني 14%، مقابل 7% للأنشطة غير النفطية المدفوعة جزئياً بالإنفاق العام الكبير. وربط صندوق النقد بوضوح تسارع النمو بالقفزة في إنتاج النفط.

وفي 2025، سجل البنك الدولي نمواً أعلى بلغ 13.4%؛ إذ نما الناتج النفطي 17.4%، وغير النفطي 6.9%. لذلك سيكون مضللاً وصف 2025 بأنه عام انكماش، أو الزعم أن رقم النمو السنوي في 2010 كان أفضل.

لكن تركيب النمو أهم من الرقم. في العامين كان النفط هو المحرك الأكبر. ويقول البنك الدولي إن الاعتماد على المحروقات ظل السمة المحددة للاقتصاد، وإن القطاع الخاص لم يستوعب في 2025 سوى 14% من القوة العاملة. استعادت ليبيا الإنتاج، لكنها لم تخرج من الآلية التي تجعل الدخل الوطني يرتفع وينخفض مع الآبار والموانئ والأسعار الدولية.

الانقلاب المالي هو الفارق الأشد

في 2010، بلغت إيرادات الحكومة المركزية 61% من الناتج، مقابل إنفاق يعادل 48.1%، فنتج فائض مالي قدره 12.9% من الناتج المحلي. وبلغت الإيرادات النفطية وحدها 55% من الناتج.

أما بيان مصرف ليبيا المركزي لسنة 2025، فسجل إيرادات قدرها 136.52 مليار دينار وإنفاقاً بقيمة 136.8 ملياراً؛ أي فجوة نقدية محدودة تقارب 276 مليون دينار. وقد يبدو البيان منفرداً شبه متوازن، لكنه لا يمثل ميزانية وطنية موحدة تشمل كل الإنفاق والالتزامات.

ففي تقييمه الأوسع المنشور بعد إقفال السنة، قدّر صندوق النقد أن عجز المالية العامة بلغ نحو 30% من الناتج في 2025، وأن الدين العام وصل إلى 146% من الناتج. كما يؤكد البنك الدولي أن ليبيا عملت من دون ميزانية موحدة في 2025 واعتمدت التخصيصات الشهرية. الفارق بين بيان المركزي وتقدير الصندوق مشكلة تغطية وتوحيد للحسابات، لا فرق تقريب بسيطاً.

رسم متباين يوضح فائضاً مالياً يعادل 12.9 بالمئة من الناتج في 2010 وعجزاً يقدره صندوق النقد بنحو 30 بالمئة في 2025تكبير الرسم ↗
تقدير صندوق النقد لسنة 2025 أوسع تغطية من بيان التدفقات النقدية للمصرف المركزي؛ لذلك تقارن الصورة الوضع المالي الكلي لا الفجوة النقدية الضيقة في البيان.

ويكشف تركيب الإنفاق المسجل جانباً آخر من المشكلة: ذهبت 73.3 مليار دينار للمرتبات و34.5 ملياراً للدعم. واستحوذ البندان معاً على 78.8% من إجمالي 136.8 مليار دينار. أما التنمية فحصلت على 20 ملياراً، أي 14.6%، والسلع والخدمات على 9 مليارات، أو 6.6%.

بمعنى أوضح، تضخمت المالية العامة بوصفها منظومة لتوزيع الدخل، وظلت ضعيفة بوصفها منظومة للاستثمار والإنتاج.

من فائض خارجي إلى ضغط على الدولار

حقق الحساب الجاري في 2010 فائضاً قدره 15.5 مليار دولار، يعادل 19.9% من الناتج. وكانت الصادرات تقارب ضعفي الواردات، وشكل النفط 96.9% من حصيلتها.

أما أحدث تقدير كمي منشور للبنك الدولي فوضع رصيد الحساب الجاري في 2025 عند نحو −4% من الناتج. وهو تقدير وليس حساباً وطنياً نهائياً مدققاً، لكنه ينسجم مع وصف صندوق النقد اللاحق لاستمرار العجز الخارجي وضغوط الطلب على النقد الأجنبي.

الاتجاه واضح: دولة كانت تدخر خارجياً حصة كبيرة من دخلها السنوي، أصبحت تستخدم جزءاً أكبر من تدفقاتها الأجنبية للحفاظ على الاستيراد وتمويل الإنفاق الداخلي.

الدينار: من مرساة مستقرة إلى أسعار متعددة

في نهاية 2010، بلغ السعر الرسمي نحو 1.27 دينار للدولار، ورأى صندوق النقد يومها أن سعر الصرف متسق عموماً مع أساسيات الاقتصاد.

وفي أبريل 2025، خفض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار 13.3%، فأصبح السعر الرسمي المعلن نحو 5.5677 دنانير للدولار. ومع رسم النقد الأجنبي البالغ 15%، اقتربت الكلفة الفعلية داخل القنوات الرسمية من 6.40 دنانير. وفي لقطة سوقية مؤرخة في 13 ديسمبر، نشر موقع «ليبيا أوبزرفر» سعراً موازياً بلغ 8.18 دنانير.

رسم يقارن 1.27 دينار للدولار في 2010 بالسعر الرسمي والكلفة بعد الرسم وسعر السوق الموازية في 2025تكبير الرسم ↗
سعر السوق الموازية لقطة مؤرخة في ديسمبر 2025؛ أما العمودان الآخران فيعرضان السعر الرسمي المعلن وكلفته بعد رسم 15%.

مقارنة بنهاية 2010، أصبح الدولار في 2025 أغلى 4.4 مرات وفق السعر الرسمي المعلن، ونحو خمس مرات بعد إضافة الرسم، و6.4 مرات في تلك اللقطة من السوق الموازية. ووجود ثلاثة أسعار مؤثرة اقتصادياً يعني أن المشكلة لم تعد مستوى السعر فقط، بل تفاوت القدرة على الوصول إلى كل سعر.

الاحتياطيات: رقم واحد لا يكفي لبناء الحجة

تتكرر مقارنة تقول إن احتياطيات ليبيا انخفضت من 152 مليار دولار في 2010 إلى رقم حديث أقل. هذه المقارنة غير سليمة منهجياً.

فجدول صندوق النقد لسنة 2010 سجل 152.4 مليار دولار بوصفها إجمالي الأصول الأجنبية، متضمنة استثمارات المؤسسة الليبية للاستثمار. وداخل هذا الإجمالي بلغت الاحتياطيات الرسمية 105.4 مليارات دولار، وكانت تغطي 36.9 شهراً من واردات السنة التالية. هذان مفهومان مختلفان.

وفي 2025، قدّرت سلسلة صندوق النقد المقابلة للاحتياطيات الرسمية الرقم بنحو 81.1 مليار دولار، أو قرابة 31 شهراً من الواردات. لكن سلسلة أخرى للبنك الدولي تشمل الذهب تضع الإجمالي قرب 104.7 مليارات. كما رفعت إعادة تقييم الذهب القيمة الدولارية للمخزون، ويشير الصندوق إلى أن تعريفه يتضمن ودائع مهمة للمؤسسة الليبية للاستثمار لدى المصرف المركزي.

الخلاصة القابلة للدفاع أضيق: ما زالت ليبيا تملك حاجزاً خارجياً كبيراً، لكن مقياس الصندوق القابل للمقارنة وتغطية الواردات أصبحا أدنى من 2010. أما الادعاء بضياع 63 مليار دولار فلا يمكن إثباته بخلط الاحتياطيات الرسمية بإجمالي الأصول واستثمارات المؤسسة وتقييم الذهب.

نصيب الفرد انخفض رغم عودة النفط

بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي 12,100 دولار في 2010، بينما سجله البنك الدولي عند 6,448.8 دولاراً في 2025؛ أي انخفاض اسمي بالدولار يقارب 46.7%.

هذا المؤشر ليس راتب المواطن، ويتأثر بأسعار النفط وسعر الصرف. لكنه يظل مقياساً وطنياً مهماً: القيمة الدولارية الجارية لما ينتجه الاقتصاد لكل مقيم أصبحت تقارب نصف مستوى 2010، على الرغم من نمو 2025 القوي.

وهنا نفهم كيف يجتمع النمو المرتفع مع الضيق الاقتصادي. فالنمو يقيس التغير مقارنة بالسنة السابقة، بينما يقيس نصيب الفرد حجم الناتج موزعاً على السكان. الارتداد من قاعدة أضعف لا يعيد المستوى السابق تلقائياً.

الاعتماد على النفط تغير محاسبياً أكثر مما تغير إنتاجياً

في 2010، مثلت الإيرادات الهيدروكربونية نحو 90.2% من إجمالي إيرادات الدولة، وقدم النفط 96.9% من الصادرات.

وفي بيان المركزي لسنة 2025، بلغت إيرادات النفط والإتاوات 116.8 مليار دينار، أو 85.5% من الإيرادات المسجلة. وقد تبدو الحصة أقل، لكنها لا تثبت نجاح التنويع؛ إذ جاء 12 مليار دينار من بند «الإيرادات الأخرى» عبر رسم بيع النقد الأجنبي، بينما لم تمثل الضرائب والجمارك وإيرادات الاتصالات مجتمعة سوى نحو 2.5% من الإيرادات.

نوّعت الدولة بنودها المحاسبية أكثر مما نوعت قاعدتها الإنتاجية. وما زالت تمول المرتبات والدعم والواردات بتحويل دولار النفط إلى دينار.

التضخم والفساد: نتيجتان تحتاجان إلى تحفظ صريح

بلغ تضخم أسعار المستهلك الرسمي 4.5% في 2010، مقابل 1.8% في 2025 وفق سلسلة البنك الدولي. ووفق هذا المقياس الضيق، تبدو نتيجة 2025 أفضل. لكن صندوق النقد حذر من تأثر المؤشر بالدعم، وسلة استهلاك قديمة، وتغطية جغرافية كانت محدودة تاريخياً. لذلك لا يجوز تحويل التضخم الرسمي المنخفض إلى دليل على تحسن القوة الشرائية بينما تراجعت قيمة الدينار.

وفي مؤشر مدركات الفساد، جاءت ليبيا في المرتبة 146 من 178 دولة سنة 2010 بدرجة 2.2 من 10، ثم حصلت في مؤشر 2025 على 13 من 100 واحتلت المرتبة 177 من 182 دولة. ولأن منظمة الشفافية الدولية غيرت منهجية المؤشر في 2012، لا يجوز طرح الدرجتين من بعضهما بوصفهما سلسلة متصلة. الآمن قوله إن موقع ليبيا كان سيئاً في العامين، وأصبح في 2025 أقرب كثيراً إلى قاع الترتيب العالمي.

الخلاصة: نمو أعلى فوق أساس أضعف

لا تثبت الأرقام أن كل مؤشر كان أفضل في 2010. فقد كان النمو أعلى في 2025، وكان التضخم الرسمي أقل. كما لا تثبت أن اقتصاد 2010 كان قصة تنويع ناجحة؛ فقد هيمن النفط، وظلت الوساطة المالية ضعيفة والبطالة بين الشباب مرتفعة والقطاع الخاص محدوداً.

لكن المقارنة تكشف ما هو أخطر: دخلت ليبيا سنة 2011 بفوائض مالية وخارجية كبيرة، وعملة مستقرة، وناتج للفرد أعلى بكثير بالدولار. وبعد خمسة عشر عاماً، حققت طفرة نفطية جديدة من دون بناء مؤسسات تحولها إلى انضباط مالي، وثقة في الدينار، وتنويع منتج.

لم تتوقف ليبيا عن إنتاج النفط؛ لكنها عادت مراراً إلى الدورة النفطية نفسها بميزانية أضعف وهوامش سياسة أقل.

وفي هذه المناسبة، في الأول من سبتمبر، ليس السؤال المفيد أي ذاكرة سياسية ستنتصر. السؤال: لماذا امتلكت ليبيا مساحة مالية كان يمكن أن تغير اقتصادها، ثم ظلت تقيس نجاحها بإعادة البراميل نفسها إلى السوق؟ ولماذا لم تُعد عودة النفط للمواطن قوته الشرائية أو جودة الخدمات أو الأمان الاقتصادي؟

محمد الصيد محمد القرج

المنهجية: قورنت سنة 2010 الكاملة بسنة 2025 الكاملة كلما توفرت البيانات. ووصفت تقديرات صندوق النقد والبنك الدولي بصفتها التقديرية. وفُصل بيان التدفقات النقدية عن التقدير المالي الموحد، ولم تُخلط تعريفات الاحتياطيات، ووُصف سعر السوق الموازية كلقطة مؤرخة لا كمتوسط سنوي رسمي. وقد تظهر فروق طفيفة بسبب التقريب.